والنبيّ الخاتم الكتاب الخاتم
1- لماذا القرآن؟
كيف تشعر وأنت تقرأ القرآن الكريم؟
عندما تقرأ قصيدةً لشاعر، أو مقالةً لكاتب، أو تستمع إلى محدّث، فبدهيٌّ أن تستحضر شخصيّة صاحبها، وأن تتساءل، ربّما، فيما بينك وبين نفسك:
سبحان الله! كيف خطرت بباله تلك الفكرة؟! أو:
ما الذي أراده من خلال تقديم هذه الفكرة إلينا؟ أو:
تُرى، ما الذي جعله يصوغها بهذه الطريقة؟ أو:
لماذا عرض علينا فكرتَه من خلال هذه الصورة البيانيّة؟ أو:
أيّة مهاراتٍ مكّنته من أن يكتب بمثل هذه البلاغة؟ أو:
ما الخلفيّات الثقافيّة التي تكمن وراء هذه الأفكار؟ أو هذه اللغة؟ أو هذه الصور؟ أين عاش الكاتب؟ في أيّة جامعةٍ درس؟ من هم أساتذته أو شيوخه؟ كم كان عمره حين كتب ذلك؟ وهل غيّر أفكاره في مرحلةٍ تاليةٍ من حياته؟ ما الظروف التي جعلته، أو أعانته، على كتابة ما كتب؟
هذا ما يراودك من تساؤلات عندما تقرأ لشاعرٍ أو كاتبٍ أو محدّثٍ من البشر، فما الأسئلة التي يمكن أن تراودك وأنت تقرأ لله؟
وحين تقرأ أحاديث نبيّك ﷺ فلا بدّ أن يكون شعورك مختلفاً عن ذلك الذي يراودك وأنت تقرأ لأديبٍ كبير، او لشخصيّةٍ تاريخيةٍ كبيرة، أو لقائدٍ فذّ. إنّك تقرأ هذه المرّة لشخصيّةٍ غير عاديّةٍ على الإطلاق! إنّه حقّاً بشرٌ مثلنا، ولكنّه يختلف عن كلّ الشخصيّات البشريّة الأخرى بفارقٍ غير عاديّ. لقد كان على صلةٍ وثيقةٍ، ومباشرةٍ، ويوميّةٍ، وعلى الخطّ الأحمر، بالسماء، بالله الخالق الواحد. إنّه حين يخاطبك؛ فبوصفه مبعوثاً وناطقاً باسم ذلك الخالق العظيم الذي لا تراه.
هذا مع نبيّك، وأنت تعلم أنّه، ورغم كلّ الفوارق غير العاديّة والمتفوّقة، كان، أيضاً، بشراً مثلك، فكيف بك وأنت تقرأ للخالق نفسه، وفي رسالةٍ تتوجّه بالخطاب إليك مباشرةً "أنتَ/أنتم"، ومن غير أيّ حاجزٍ أو وسيطٍ بشريٍّ أو نبويٍّ يفصل بينك وبينه هذه المرّة؟
"ليسَ كَمِثلِهِ شَيءٌ"!!
هكذا يصف مُنزل القرآن الحكيم نفسَه. تُرى، إذا لم يكن كمثله شيء، فهل يعني هذا، أيضاً، أنّه ليس ككتابه كتاب؟ وليس كمثل لغته لغة؟ وليس كمثل أفكاره أفكار؟ وليس كصدقه صدق، وليس كحكمته حكمة، وليس كبلاغته بلاغة، وليس كمثل تأثيرها في نفس القارئ أو السامع، وعلى مدى الدهر، وعلى امتداد المسافات، تأثيرٌ أو تقدير؟
إنّه ليس خالقنا وحدنا، بل خالق كلّ شيءٍ نراه أو نعجز عن أن نراه في هذا الكون، فكيف له، بعلوّه وعظمته وقدرته وهيمنته، أن يصوغ لنا، رغم كلّ هذه الصفات غير البشريّة، كتاباً تتناسب لغته مع عقلنا البشريّ، وتفكيرنا، وأذواقنا، ودرجة فهمنا واستيعابنا، ثمّ نجد هذه اللغة، مع ذلك، ورغم أنّها نزلت بالعربيّة نفسها التي نتكلّمها، لغةً فريدةً لم نعرف مثلها قبل القرآن، ولم نعرف مثلها بعد القرآن؟ لغةً فوق لغة البشر، وفوق لغة الرسل والأنبياء؟
كيف لنا أن نتوقّع من مثله أن يقترب من مثلنا، وأن يخاطبنا بكلماتٍ لا تتعارض مع ما عايشناه من لغة أدبنا وشعرنا ونثرنا، ولكنّها تسمو عليها جميعاً؟ وكيف له أن يضرب لنا الأمثال من حياتنا فنفهمها، ونتقبّلها، ونقتنع بها، بل نَحار، ونَعجب، ونستجيب، ونطمئنّ، ونستسلم؟
هل أنت مدركٌ حقّاً، حين تفتح المصحف الشريف، أنّك موشكٌ على الدخول في حديثٍ مع ربّ الأرباب، ومَلك الملوك، ذلك الذي لا تَحُدّ مُلكَه حدود، ولا تقف أمام سلطته سلطةٌ أو جبروت، وأنّك ستجلس بين يدي من تَعْلمُ أنّ أمْرَ عيشك وعيش أحبّتك، وأمر ربحك وخسارتك، ومرضك وشفائك، ونجاحك وهزيمتك، وحياتك وموتك، وجنّتك ونارك، بيده هو وحده؟
هل تساءلت فيما بينك وبين نفسك:
هل أنا بحاجةٍ حقّاً إلى مثل هذا الكتاب، وبمثل هذه الموسوعيّة والأناة والتفصيل؟
ألم يكن لدى نبيّه ﷺ من القدرة، والحكمة، والصدق، والهدى، والبلاغة، والعزيمة، ما يكفي لنقل فحوى الرسالة التي حملها إليّ القرآن، بكلّ تفاصيلها؟
هل المسألة بمثل هذه الأهمّية والخطورة حقّاً، بحيث لم يقتصر الأمر على إرسال نبيٍّ، بل كان لا بدّ من إرسال كتابٍ معه، وضعه ورتّبه سورةً سورةً، وآيةً آيةً، وكلمةً كلمةً، وحرفاً حرفاً، ذلك الخالق الأعظم هناك في السماء؟
ألا يفكّر من يقفون متردّدين متشكّكين أمام حقيقة نزول هذا الكتاب من السماء، ومن الله نفسه، وليس صدوره عن النبيّ ﷺ، أو عن غيره من البشر، فيسألون أنفسهم:
وأيّ إنسانٍ عاقلٍ يستسيغ أن يوجّه مثل هذه التهمة لمحمّدٍ ﷺ؛ والكتاب الذي يحمله إليه يهدّد متوعّداً كلّ من يُقْدمُ على ذلك العمل الشنيع، وكبيرة الكبائر، وبمثل هذا الوعيد:
- ﴿فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: 79]
وهل هناك بشرٌ، من نبيٍّ أو ملكٍ أو إمبراطور، مهما امتلك أو عظُم شأنه، يستطيع أن يخاطبنا بمثل هذا الخطاب الواثق كلّ الثقة، من نفسه، ومن قوّته، ومن إدارته لهذا الكون، ومن إمساكه بمثل هذه الأبعاد الأرضيّة والكونيّة الممتدّة بلا حدود، والمالك لهذا العرش السماويّ المهيب، ثمّ، وإمعاناً بالثقة والهيمنة والتفرّد، كثيراً ما يصدر خطابه عن ضمير الجماعة، وكأنّ الضمير المفرد لا يكفي لاستيعاب تلك الأبعاد اللامتناهية من العظمة والقوّة والجبروت؟
- ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ * لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ﴾ [الحاقّة: 11-12]
هل يستطيع أحدنا حقّاً أن يستوعب معنى أن يخاطبه هذا القويّ المطلق، القادر المطلق، المتحكّم والمهيمن المطلق، هكذا مباشرةً، من غير وسيطٍ بين المخاطِب والمخاطَب؟
لماذا هذا الكتاب؟
* * *
هذه الأسئلة الكثيرة لا بدّ أن تكون حاضرةً باستمرار في ذهن من يريد أن يقرأ القرآن قراءةً لا تتوقّف عند لسانه وأذنيه وذاكرته، بل تتجاوز الصفحات إلى ما هو أبعد من كلّ الصفحات والسطور التي عرفتها البشريّة.
أن يُنزل الله رسائله على أنبيائه ليبلّغوها للناس؛ أمرٌ اعتاده الرسل جميعاً، واعتادته الأمم التي أُرسلوا إليها، على اختلافٍ في حجم هذه الرسائل، وفي حجم من أُرسلت إليهم. ولكن أن يُنزل على نبيٍّ أمّيّ، في أمّةٍ أمّية، رسالةً كبيرةً كهذه، وبلغةٍ فريدةٍ متفوّقة لم يعرفها البشر من قبل، ثمّ أن يتحدّى الإنسَ والجنّ أكثر من مرّةٍ بأن يأتوا بمثل هذه الرسالة، بل بمثل سورةٍ واحدةٍ لا أكثر من سوَرها المائة والأربع عشرة، ثمّ أن يُلحقَها بمنهجٍ توثيقيٍّ فريدِ وصارم، يحفظ نصوصها حفظاً كاملاً وأميناً، كلمةً كلمةً، وحرفاً حرفاً، وبالنطق نفسه الذي نزلت به من السماء، ويصونها ممّا أصاب سابقاتها من العبث أو التحريف أو الضياع مع مرور القرون والأحقاب، فهذا أمرٌ لم تعرفه رسائل السماء من قبل، ولن تعرفه من بَعد، لأنّ رسالته ستكون هذه المرّة؛ هي الرسالة الأخيرة والخاتمة لكلّ رسائل السماء:
- ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
- ﴿وَمَا كَانَ هَٰذَا الْقُرْآنُ أَن يُفْتَرَىٰ مِن دُونِ اللَّهِ وَلَٰكِن تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: 37]
- ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَىٰ أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾[الإسراء: 88]
- ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ [الكهف: 27]
- ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحِجر: 9]
أليس جديرا برسالةٍ هي خاتمة رسائل السماء، ويحملها نبيٌّ هو خاتم الرسل والأنبياء، أن تحمل في داخلها المناعات الأمينة، والشروط الوقائيّة الكافية، لتحافظ على نصوصها، ولتستمرّ بين يدي الإنسان سليمةً كما أُنزلت، حصينةً من أيّ احتمالٍ للتحريف أو الزيادة أو النقصان، حتّى انتهاء هذه الدورة البشريّة للحياة على كوكب الأرض؟
بقلم: أحمد بسام ساعي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين


