الأُنسُ بالله

الأُنسُ بالله

يخرجُ العبدُ إلى الدنيا وقد أحاطَت به أربعةُ أصنافٍ من المخلوقات، فهو محتاج إليها، ولا غنى له عنها، وكلما تقدَّم في السنِّ، ونضُجَ فكرُه، وزادَ وعيُه، وترقَّى في مراتب إنسانيته، سوف ينمو لديه شعورٌ عاطفيٌّ عجيب يجذبه نحوها، حتى وكأنه يفهمها ويشعرُ بها، ثمَّ يأنسُ بها، بجامع مشترَكٍ هو أصل الخلق للخالق المتفرِّد سبحانه.

فإذا اجتمع للعبد مع هذا إيمانٌ بالله تعالى وما أنزل على رسله الكرام، وعلم أنَّ جميع المخلوقات لها نوعُ إدراك بعبوديتها لربها، فهي تُسبِّح بحمده بكيفية لا نفقهها، سوف يرتقي هذا الإحساس إلى منزلةٍ أعظم في إدراك نوع العلاقة التي يجمعها مشترَك عظيم هو العبودية للحق جل جلاله والخضوع لأمره.

ودعونا نغوص إلى عُمق الفكرة ..

الجمادات والنباتات والحيوانات والإنسان، قد أودع الله في كل صنفٍ منها نوعَ إدراك للخالق سبحانه والخضوع لعظمته وجلاله لا يمكننا تصورُه.
تأمل في قوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ)!

ومثل ذلك قوله سبحانه: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَن فِيهِنَّ ۚ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ)!

السموات والأرض تقول لخالقها: (أتينا طائعين)!

لقد جعل الله تعالى للعبد في هذه الدنيا أُنسًا ومتعةً في التواصل مع الأشياء خارجَ ذاته، يأنسُ بها عندما ينسجمُ معها.. وهي على مستويات أربع:

أولاً وثانيًا: الأنس بالجمادات والنباتات، فيأنس بنور القمر في ظلمة الليل، ويُكحِّل عينيه بالمصابيح اللامعة التي زيَّنَ الله بها سماءنا الدنيا.
يُقَلِّبُ ناظريه في جمال الطبيعة الخلابة بخُضرتها وأزهارها الملونة البهيجة، ويملأُ رئتيه من روائح عطرها الزاكية، ونسيمها العليل، فتُحلِّقُ روحُه عاليًا فوقَ المألوف.
أما البحرُ فكم فيه من قِصَّةٍ وحِكاية!
فهو الجنديُّ المطيع لخالقه، يأمره ربُّه بإهلاك عدوِّه فيقول لبيك، ويأمرُه باحتضان أوليائه فيقول لبيك.
وهو الذي يحملُ على ظهره الفلكَ بأمر الله، وهو الجمال الساحر الذي ينطلقُ بروحك بعيدًا حينما تجلِسُ على شاطئه في ساعةِ صفاءٍ وأنت تتأمل بديعَ صنع الله.
ولو كان المرءُ ذا حِسٍّ مُرهف، ربما يكتُب في ذلك القصائدَ المتألقةَ وهو يخاطبها وكأنها كائناتٌ حيَّةٌ، يسمعها ويفهم لغتها ويشعُرُ بكينوناتها، وكأنَّ لها موجات من العاطفة المتدفقة الحانية نحوه!

ألم ترَ أنَّ الجبال كانت تُردِّدُ مع داود عليه السلام وهو يرتلُ الزبور!
ألم يخبرنا رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم عن جبل أحُدٍ أنه يحبهم ويحبونه! وأن حجرًا بمكة كان يسلم عليه قبل البعثة!
جبل آخرُ يرتجِفُ بجنود الطاغية فيسقطُهم قتلى نصرَةً لغلام الأخدود المؤمن.
ألم تسمع بحنين ذلك الجذع الذي كان يخطب عليه الحبيبُ صلى الله عليه وسلم ثم تركه إلى منبر صُنعَ له!

المستوى الثالث: التواصل مع الحيوان، وهذا له شأن عجيب عند من تعايشَ مع أصنافٍ منها، وسلوا أصحاب الإبل وعشقهم لها وسعادتهم عند خلوتهم بها.
وسلوا أصحاب الخيل عن متعتهم الغامرة بسياستها، وحجم العاطفة التي تربطهم بها.
وحسبكم حكاية القرآن الكريم لقصة نبي الله سليمان مع الصافنات الجياد!
لقد جعل الحوتُ بطنه وعاءً لنبي الله يونس في ظلمات البحر.
وامتنع الفيلُ عن التقدم لهدم الكعبة ولم يُطِع أمرَ صاحبه وولي نعمته أبرَهة.
أما قصةُ ذلك الجمل الجائع الهزيل فهي ضرب من ضروب الحنين والعاطفة الجياشة التي لا تعبر عنها الكلمات، فقد ذرفت عيناه حينما وجد من يُمكنه أن يناجيه ويبثُّ إليه شكواه ليُنصفه من صاحبه الذين كان يُجيعه ويُدئبه!
هل تساءلنا كيف تعرَّف هذا الحيوانُ البهيمُ على شخص النبي عليه الصلاة والسلام، ومن أخبره بأنه الشخص المناسب الذي سيشعُر بمعاناته، ويمسَحُ سراته بكفه الحانية ليُطمئنه ويخفف عنه آلامه!

إنَّ طائرًا صغيرًا جميلاً يسمى الهدهد كان سببًا في إسلام أمةٍ من الأمم الضالة، كانت تسجدُ للشمس من دون الله، فلم يهدأ ولم يَقِر، وتحركت غيرته على التوحيد، ليُسرع بالخبر إلى نبي الله سليمان ليقوم بواجب الدعوة إلى الله، ويخرج القومَ من الظلمات إلى النور.
هو النبيُّ ذاته الذي تبسَّم ضاحكا متعجبًا من نملة شجاعة قامت في قومها بخطبة بليغةٍ تحذِّرهم من خطر مداهم، وذكرته باسمه، فهي تعرفه والنمل يعرفه، وتعتذر له ولجنوده المؤمنين بأنهم قد يحطمونهم وهم لا يشعرون.

ولنا أن نتساءل؟! ما الذي يدفع كثيرًا من الناس يا ترى إلى تربية الحيوانات بأنواعها، والطيور والأسماك ونحوها؟!
لا شك إنه الأنسُ والألفةُ التي تتأتى من التماهي مع هذه الكائنات والتعرف على خصائصها وطبائعها أكثر.
فكيف لو علموا منطقها؟

المستوى الرابع: نرتفع قليلا لنشهد جمال التواصل البشري، تواصل الإنسان مع الإنسان، الذي قد يكون والدا أو ولدا أو أخا أو زوجا أو رحِما أو صديقا. ...الخ
وسل العاشقين عن لذة الوصال وحديث بعضهم إلى بعض، حيث تمضي ساعات طويلة في المناجاة الهادئة الهادرة، حتى يودُّ أحدُهم أن لو توقف الزمنُ أحيانًا فلا يمضي لعظيم أنسه بوصل محبوبه.

أما بعدُ ..
فإذا بلغ العبدُ مراقي الكمال الإنساني بمعرفة ربه الجليل بأسمائه وصفاته، كان أنسُه به فوق كل أنس، وفرحُه وهناؤه بقربه أعظم من كل فرح.
فهو الذي جعل للعبد أنسا وفرحا بأصناف مخلوقاته فكيف لا يجعل له أنسا به وهو الذي خلق الأنس والفرح.

ومعنى الأنس بالله؛ حالةٌ وجدانيةٌ يشعُرُ عندها العبدُ بالاطمئنان والسكينه وانشراح الصدر، وعكس الأنس الوحشة: وهي الشعور بالاضطراب والقلق حال البعد عنه.
فيا لجمال القرب بروعة المناجاة "وقربناه نجيا"
ويا لروعة المعية والحب .. "وأنا معه إذا ذكرني".. "يحبهم ويحبونه"!

أيها العبدُ الكئيب ..
كيف لا تأنس به وهو الذي أحاطك بعنايته وأنت وحيدٌ فريدٌ ضعيفٌ في رحم أمك، في ظلمات ثلاث!
والله لو كان الإنسان يعقل في ذلك المقام لأحسَّ وتذوَّق معنى الأنس به سبحانه حيث لا أنيسَ سواه.

كيف وأنت صائرٌ يومًا إلى ظلماتٍ مثلها تحت أطباق الثرى، وقد أودعك أحبُّ الناس وأقربهم إليك في قبرك وحيدًا فريدًا، فلا أنيس ولا جليس إلا الله والعمل الصالح الذي قدمته بين يديك.
إنَّ مقدارَ أنسك به هناك هو مقدارُ أنسك به قبل الرحيل إليه، فزد أو انقُص، حينئذ سوف تدرك وتعقل، وتجد ثمرة أنسك بربك في خلواتك يتدفق على شعورك ووجدانك أضعافا مضاعفة.

والخلاصة:
لن يأنسَ العبدُ بربِّه في حياته الأبدية الممتدة ما لم يأنس به في الدنيا، ولن يأنس العبدُ بربه في الدنيا ما لم يتعرَّف عليه حقا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى.
ولن يتذوق العبدُ لذة مناجاته وهو قائم على معصيته مصرًّا على مخالفة أمره، قد تفرَّق قلبه بين محبوبات كثيرة شغلت قلبه وشتَّتت شمله.
لن يأنس العبدُ بربه إلا إذا خلا به، وانطرح بين يديه، مفتقرًا لغناه، متذللا لعظمته، يعلم أنه يذكره إذا ذكره، ويسمع مناجاته إذا كلمه، بل يعلم خلجات نفسه ومكنونات خواطره، وأنه أعلم به منه، وأرحم به من والديه، وأنه لطيف بعباده، قريب منهم.

هذه جنةُ الدنيا التي دخلها وذاق نعيمها المتقون، ومن لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة.
وأعظمُ نعيم الجنَّة الأنسُ بقرب الجليل وسماع كلامه وهو يخاطبُ أهلها ويسلمُ عليهم، (سلامٌ قولاً من ربٍّ رحيم).
وأعظمُ لذاتها لذة النظر إلى وجهه الكريم، (وجوه يوم إذن ناضرة إلى ربها ناظرة).
اللهم أكرمنا بقربك، ولا تحرمنا لذَّةَ مناجاتك..


د. جمال الباشا

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

مقالات ذات صلة

بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
السبت، 29 ربيع الأول 1434 هـ - 9 فيفري 2013بيان مؤتمر العلماء الأول بدمشق - تاريخ 11-13 رجب 1357هـ
  الفكرة العامة الموجبة للمؤتمر        لما كان ...
ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
الأربعاء، 12 شوال 1430 هـ - 30 سبتمبر 2009ما أشبه الليلة بالبارحة - كلمة رابطة علماء سورية
ما أشبه الليلة بالبارحة        كان بيان رابطة علماء بلاد ال...
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
الأربعاء، 12 شوال 1430 هـ - 30 سبتمبر 2009تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية للأستاذ عبد الله مسعود - صدور كتاب جديد عن رمضان
تعريف بكتاب الجامعة الرمضانية صدور كتاب جديد عن رمضان للأستاذ عبد الله مسعود. يقدم الأست...