ما زال حبُّك يزهو فـيـنا كالأمــلِ ** وينثر الخيـر يُـهـدي أطـيـبَ القُـبَــلِ
وكم ترعرع هذا الحبُّ في مُـهـج ** أطيابُه عَبـقـتْ كـالـهـاتـن الـهـطــلِ
ولم يكن حبُّنا هذاك عـن غـرض ** سوى المودة تـكـسـو أنـفـس الـحـلـلِ
ما كان حُبِّيبكَ عن دعوى مزيـفـةٍ ** لـكـنـه راسـخ كـالطـود كــــالجـبـلِ
أحببتُ فيكَ نـقـاء الـروح في ألَـقٍ ** كالثلج في الطُّهر أو كالنور في المُقلِ
وما رغبـتُ سـوى أمرٍ لـكـم أبــداً ** فـإن ودّكُـمُ أحـلــى مـن العـــســلِ
غراسكم أثـمـرتْ حـبـاً ومـعـرفـة ** يشعُّ نـورُهـما في أشـرف السـبــلِ
إنْ أَنس لا أنسى عهداً مشرقاً أبداً ** تـنـدَّى أزهـارُه بـالـيـانـع الخـضــلِ
تـشـــدُّنا بـبـيـان مـنـكَ مـؤتـلــقٍ ** من فيك يُزهـر دُرُّ الـقـول فـي جــزلِ
ملأتَ أرواحنا خيراً ومـفخـرة ** يَضوعُ منها الشذا في السهل و الجبــلِ
تُملي علينا دروسَ الخير مشرقـةً ** وأنتَ في القلب بل أغلى من المُقــلِ
في مقعد الدرس أَتْملاَّكَ في شغف ** أرنو إلـيك رُنُـوَّ الـعـاشـق الـغــزلِ
تـنـادم العـلـمَ والأخـلاق فــي أدبٍ ** أنت (النـديـم) و للأخـلاق كالمُــثُــلِ
لازلتُ أرتع من فيض عـطائـكــمُ ** كما أيـاديـكُـمُ فـي الأعـصُــر الأُوَلِ
ماذا أُحدِّث ذكرى عنـكـمُ سـلـفـتْ ** كالعطر في الجيد أو كالروض كالأملِ
أضحى كتابك في (التضمين) مفخرةً ** كالتَّاج في مفرقٍ أو كالسـيـف لـلـبـطـلِ
واللهَ أسـأل أن يُـعلـيـك مـنـزلـةً ** فـي جـنـة الخُـلـد ذاك أكـرم الـنُّــزُلِ
كنتُ طالباً في المرحلة الثانوية، حين دخل علينا (الصفَ) أستاذ اللغة العربية، كان شاباً نشيطاً مُتَّقِدَ الحماس، غزير العلم سخيَّ العطاء، لكنه كان في صورة كهل، إذ وَخَطَهُ الشيب ولمَّا يتجاوز الثلاثين عاماً إلا قليلاً، كان يقف أمام طلابه، بأناقة وثقة وشموخ، مُفْعماً بروح العلم، يظل واقفاً لا يجلس، يشرح ويسأل ويناقش ويجيب، دون كلل.
جميلُ الوجه حلو القسمات، يضوع منه (عطر) معهود..، يحمل بيده حقيبة جلدية شقراء ضخمة، ذاتَ جيوب متعددة، يحشوها كثيراً من الكتب (المصادر والمراجع) عن الموضوع الذي سيتحدث عنه في ذلك اليوم، فإذا كان الدرس عن المتنبي أو أبي تمام أو البحتري أو ... أو، جاء بدواوينهم المحققة، مع أهم المصادر والمراجع عنهم، يقرأ لنا القصيدة أو النص، أو يطلب من أحد الطلبة قراءةَ بعضه...، ثم يغوص بعدها في الدراسة الأدبية المستفيضة، مُتَسَرِّحاً في فنون القول... بعد الحديث عن الشاعر أو الأديب، وحياته وترجمته..
وكثيراً ما كان يُتحفنا بأخبار الأدباء، فيقرأ لنا من آثارهم الأدبية، ويحضُّنا على القراءة والاطلاع، ويشير علينا بقراءة ما يقوّي فينا الملكة الأدبية، وينمِّي التذوق السليم، ويثري الثروة اللغوية، ويثير الوعي الفكري والعقلي، ويُشير علينا بالاطلاع على أثار أئمة الأدب العربي والبيان السامي، على مرِّ العصور، قديماً وحديثاً كآثار الجاحظ وابن قتيبة والتوحيدي والمُبَرِّد والقالي. والمازني والعقاد في العصر الحديث، وسوى ذلك من الكتابات النافعة المفيدة، وكان يقف بنا طويلاً عند إمام الأدب العربي في العصر الحديث: الأستاذ مصطفى صادق الرافعي رحمه الله، فيقرأ لنا من أثاره، ما يأخذ بأيدينا إلى ذِروة البيان الحقِّ والأدب السامي الهادف.
ولا أزال أذكر أنه قد أمتعنا في إحدى الحصص بمقال بعنوان: (سُمُوّ الحبِّ) من كتاب (وحي القلم) للأستاذ الرافعي رحمه الله، فملأ نفوسنا حباً وإعجاباً، وتطلُّعاً إلى القيم النبيلة، والفضائل وعظيم الأخلاق، والأدب الرفيع، وقد كان هذا سبباً في تعرفي إلى الأستاذ الرافعي، وتعلُّقي به، حتى استظهرتُ بعض مقالاته عن ظهر قلب.
وكثيراً ما كان يملأ أسماعنا بآثار أجدادنا العظماء، ومؤلفاتهم النافعة.
وكان كثيراً ما يُذكِّرنا ويسرد على مسامعنا أسماء مصنفات الأجداد ومؤلفاتهم، ولا يزال يرن في سمعي كتاب: (الطبقات) لأبن سعد، ولا أذكر الآن مناسبة ذلك، وغيره من كتب العلماء والأدباء.
وأذكر أنه أحضر لنا كتاب : (الأعلام) للزركلي في طبعته الأولى، وكان فيما أذكر بثلاثة مجلدات فقط، قبل أن يصدر في طبعاته الأخيرة.
وكذلك كان للشعراء العرب القدامى والمُحدثين سهمٌ وافر وحظٌّ وافٍ، في حصص أستاذنا، حيث يستعرض تراجمهم ونوادرهم وأهم أخبارهم.
ولم يغفل الأستاذ أن يُعرِّج بنا على الأدب العالمي، ويلمَّ ببعض روائعه، ولا أزال أذكر قصة (حكاية البجع) لأحد الأدباء الفرنسيين، وكذلك كثيراً من روايات الأدب العربي وقصصه.
وقد يقول قائل: كيف يتسنَّى لأحد أن يقوم بهذا كله في وقت وجيز يسير...؟؟؟
وأقول: لقد كان دوام مدرستنا:(ثانوية هنانو) ذا توقيت قديم، يقوم على نظام اليوم الدراسي الكامل، كان حضورنا كل يوم، من الصباح حتى الثانية عشرة ونصف ظهراً، ثم تكون الاستراحة (فرصة الغدا) وبعدها نستأنف الدراسة إلى الرابعة والنصف بعد عصر كل يوم (كما أذكر)..، وكنا طلبة الفرع الأدبي (أو شعبة الأدبي) فكانوا يَخصُّون دراسة المواد النظرية والأدبية كالتربية الإسلامية واللغة العربية بعد الظهر، وبقية المواد صباحاً، كالفلسفة وعلم الاجتماع واللغة الإنجليزية.
ونظام بعد الظهر فيه حصتان بينهما (فرصة) استراحة، ولكن أستاذنا كان يسرد الحصتين متصلتين معاً، وكانت صلاة العصر بين الحصتين..
أما في فصل الشتاء، فكان (الآذن)، يملأ خزان المدفأة بالوقود...، فالجو دافئ والطلبة منسجمون... إلا أقلَّهم، فيُقرع الجرس، وتنتهي الحصة الأخيرة. دون أن نشعر، ويأتي (الآذن) المسكين فيفتح علينا باب حجرة الدرس على استحياء، خجلاً أن يقول: قد انصرف الطلاب والأساتذة، وخرج كل من في المدرسة.. إلا فصلكم، فيغلق علينا ويمضى، ثم لا تكون إلا برهةٌ حتى يعود، فتَنِدُّ بعضُ الأصوات من الخلف:(أستاذ انتهت الحصة..).
فيجمع الأستاذ كتبه وقراطيسه ودواوين الأشعار.. ، فيُودعها حقيبته، ويخرج مُحاطاً بطلابه، يكتفونه من كل جانب... هذا يسأله، وذاك يستوضحه، وآخر يستشيره ويستنصحه، وآخر يستفسر عن أمور عامة أو خاصة،... حتى نخرج جميعاً من باب المدرسة، فيتفرَّق كلٌ في وجهته.
وكنا بضعة زملاء نرافقه إلى موقف الحافلة عند (القصر العدلي، فنودِّعه أو يستقل الترام، إذا حضر لينزل في (باب النصر)، إذ كان الأستاذ لا يزال عَزَباً، يقطن مع والديه، بحيِّ (الألمه جي).
أحببنا أستاذَنا محمد نديم وزاد تعلُّقنا به، حتى قلّتْ الكُلفة فيما بيننا، فكان يَعُدُّنا أصدقاء له، وكنا نعدُّه الأخَ الكبير الحنون، فكنا نزوره في منزله.
قال لي ذات يوم: لماذا لا تأتي المكتبة الوقفية ؟ فقد كان هو يرتادها كل يومٍ تقريباً من العصر إلى أن تغلق أبوابها في المساء.
فجئْته يوماً في المكتبة، وكان جالساً في قاعة الكتب، تجاه الباب بعد صحن الدار، حيث يُصعَد إلى القاعة بعدة درجات، فدخلت خجلاً متعثراً بخطاي، فرحَّب بي وأكرم وفادتي، وأحسن استقبالي، وأجلسني إلى جواره وعَرّف بي مَن كان بجانبه فأخجلني إطراؤُه، ولازلتُ الى اليوم أحفظ وأذكر عبارته التي عرَّف بي، قائلاً لزميله: {هذا طالب نجيب} فزاد اضطرابي وحيائي.
كان الأستاذ محمد نديم باسطاً أمامه على منضدة كبيرة العديدَ من الصحائف والأوراق والكتب، ينظر في هذا تارة، ثم في ذاك مرة، ثم في ذلك مرة أخرى..
فقد كان – كما علمتُ بعدُ- يعمل في تحقيق كتاب: (الجنى الداني في حروف المعاني) للحسن بن قاسم المرادي.
وكنتُ فتى يافعاً أُشاهده وقد بسط أمامه أوراقاً متفرقةً من كتاب عتيق، لم أستطع قراءة خطه، ولم أفهم شيئاً منه، وهو ينقله بخطه إلى أوراقه البيضاء، فينسخه من جديد، وقد كان الأستاذ يكتب بخط الرقعة بجمال لا يضاهيه جمال وحسن وبهاء، ثم علمتُ أنَّ تلك الأوراق المهلهلة من ذلك الكتاب العتيق، هي مخطوطة كتاب: (الجنى الداني)..
فلما أنهى الأستاذ عمله في الكتاب عرَضه على صديقه أستاذنا الدكتور فخر الدين قباوة، بارك الله في عمره، ، ويبدو أن الدكتور فخر الدين قد أسهم في الكتاب، ثم عرض عليه طبعه، فكتب الدكتور فخر الدين مقدمه للكتاب، وذيلها بإمضاء: (المحققان)، وخرج الكتاب يحمل اسم أستاذيَّ الكريمين، الدكتور فخر الدين قباوة والأستاذ محمد نديم فاضل..
ومضتِ الأيام، وتخرَّجتُ في الثانوية، ودخلتُ كلية الآداب، وكان اسمها: ( كلية اللغات) بجامعة حلب، فلما كنا في السنة الثانية قرأ لنا أستاذنا الدكتور فخر الدين قباوة ذلك الكتاب: (الجنى الداني)، وقرّره علينا.
ثم فَتَرَتْ صلتي بالأستاذ بعد تخرجي في الجامعة، لالتحاقي (بخدمة العلم- التجنيد الإلزامي) وانقطعتْ عني أخباره من آواخر سبعينيات القرن الميلادي المنصرم إلى أوائل ثمانياته...
أنهيتُ (خدمة التجنيد الإلزامي) وتعاقدتُ للعمل مدرساً مع وزارة (المعارف) في المملكة العربية السعودية..، ثم وقعتْ لي أعظم مفاجأة وأسعدها...
كنتُ في إحدى فترات الاستراحة بين الحصص جالساً في غرفة الإدارة، وإذا بأستاذي الشيخ محمد نديم يدخل، وبيده كتاب تعينه مدرساً في المدرسة نفسِها التي أعمل فيها...، فكاد عقلي يعزب عني فرحاً بهذه المناسبة السعيدة...
فعادت لي أيامي الجميلة، أيامُ التلمذة والدراسة..، واختلط لدي شعور الفرح بالحرج والحياء..، فما يكون لتلميذ أن يجلس وأستاذَه على حدٍّ سواء، ولكنَّ أستاذي - جزاه الله خيراً- لعظيم خلقه وكريم شمائله، بدّد هذه المشاعر، بل لم يكن ليشعرني بهذا البون، فقد كان يعدُّني من رُصفائه و راح – تكرماً وتفضلاً- يعاملني معاملة الزميل، أو كما يحْنو الأخ على أخيه الصغير، ويزيل ذلك الحاجز، ويزيح في نفسي ذلك الفارق..، فاشتدَّت عُرّى الأخوة وثوقاً فيما بيننا، كنا نلتقي كل صباح، ولا نكاد نفترق، إلا على ميعاد، فقد كانت لنا لقاءات دائمة، ومناسبات متعددة، نخرج معاً، ونسهر سوياً، فأَفيد منه كل يوم علماً نافعاً وأشياء جديدة، وحِكماً سديدة، وكنت اذا أبطأتُ عنه يوماً هاتفني عاتباً أنْ أغبَّ زيارته، وكما شهدته وهو يعمل في تحقيق:( الجنى الداني) وأنا تلميذ صغير، فقد صحبته وهو يؤلف كتابه الفذَّ المتميز الفريد: (التضمين النحوي في القرآن الكريم). وهو مصنف لم يُسبق إليه.
بلى قد وردتْ نُتفٌ متناثرة في ثنايا المؤلفات النحوية، وبطون بعض كتب التفسير قديماً، حول موضوع التضمين النحوي، لكنها لم تكن تعدو إشاراتٍ أو عبارات موجزة مبتسرة، لكنَّ أحداً لم يُفرد هذا الموضوعَ الطريف، الذي يجمع بين علم النحو وعلم المعاني والأسلوب- لم يفرده أحد في مصنف خاص مستقل على حدة- فيما أعلم- قبل أستاذي الدكتور محمد نديم..
وكنا دائما ما نزوره مع بعض الإخوة الأحباب فكان يقرأ لنا بعض فصوله وأبوابه، ويُشركنا في مناقشاتها، ويشرح لنا خباياها، ثم مُنح على مؤلفه النفيس هذا درجة (الدكتوراه) في النحو..
وصدر هذا الأثر القيِّم، فنشرتُ تعريفاً عنه على صفحات ( الألوكة )، وقدمتُ محاضرة كاملة عنه في إحدى مسامرات (السقيفة) في نادي المدينة المنورة الأدبي..
وقد فتَّق له موضوع الكتاب "التضمين" بحوثاً عدة، في الأسلوب القرآني أنجز بعضها، وفي جَعبته الكثير منها.
من ذلك أثر الحرف في المعنى، الإعجاز الصوتي في القرآن الكريم، فواتح سور القرآن الكريم ودلالتها في معنى السورة، إلى غير ذلك، أسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته ويجزيه خيراً عن هذه الكنوز التي يفيد منها قراء العربية ودارسوها.
رحم الله أُستاذنا الكريم الشيخ الدكتور محمد نديم فاضل، وأعلى مقامه في عليين وجزاه خيراً.
بقلم: محمد علي كاتبي
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين