الأستاذ الداعية المربي المجاهد محمد فاروق بطل.. صفحات من ذكرياته (27)

الأستاذ الداعية المربي المجاهد محمد فاروق بطل.. صفحات من ذكرياته (27)

التصنيف: علماء دعاة مربون
الجمعة، 21 رمضان 1446 هـ - 21 مارس 2025
72
محمد فاروق بطل...
محمد فاروق بطل...
الميلاد :1936 - 05 - 13- الوفاة :2024 - 07 - 24

التعاقد مع جامعة الملك عبد العزيز:
وبعد تعقيدات كثيرة، ومتابعات حثيثة، ومساعدات الكرام(1) وقَّعتُ العقد مع الجامعة، مدرساً لمادة الثقافة الإسلامية في كلية الآداب على وظيفة معيد، وبراتب محاضر، كان ذلك عام /1401/ هـ، وأنا إذ أحمد الله على ما حُدِّد لي من راتب، لكنه كان قليلاً بالقياس إلى أمثالي من الزملاء الذين لا تزيد مؤهلاتهم عن مؤهلاتي، فقد عُينوا على درجة أستاذ، وبراتب أستاذ، والفرق بين راتب معيد، وراتب أستاذ، كبير جداً، لكن السبب في ذلك يعود إلى أمرين:


أ ـ سبب يعود إلى تقصيري وإهمالي، حيث إنني قابلت وكيل وزارة التعليم العالي الدكتور محمد صفر يومئذ، واطَّلع على شهاداتي ومؤهلاتي، وطلب إليَّ تقديم إثبات أن شهادة الدبلوم العامة هي شهادة يحصل عليها صاحبها بعد البكالوريوس، والأمر كذلك حقيقة، لكن وبسبب الوضع الأمني في سورية عام /1980/. وخشية من إحراج أحد زملائي(2) في كلية التربية، فقد أهملت الموضوع، ولم أتقدم بأي طلب، ولذلك بقي راتبي كما هو خلال عشرين سنة، والحمد لله على كل حال.


ب ـ عدم إفصاحي عن المسؤوليات الدعوية والتنظيمية التي كنت أطَّلع بها في سورية، فقد قال الأستاذ المبارك للأخ أبي جلال حين بلغه أنني كنت رئيساً لمجلس الشورى في جماعة الإخوان المسلمين داخل سورية، أسِفَ وقال: لقد ظلمنا الأستاذ فاروق، لأنني لو كنت أعلم أنه يشغل مثل هذا المركز، وهذه المسؤولية في سورية، لكنت اقترحت أن يُعيَّن بدرجة أستاذ كما عُيِن غيره، ولكنتُ قدمت تقريراً مختلفاً لمدير الجامعة، يليق بمكانة الأستاذ البطل ـ ـ رحمه الله تعالى وأجزل مثوبته ـ.


رغم سماعي لهذه التزكية، ولهذا الكلام، لم أتابع الموضوع البتة...إنه إهمال وتقصير!!.


خلال عشرين سنة بقي راتبي، خلال هذه الفترة، راتب معيد لم يزد هللة واحدة، وكتب الله فيه البركة والخير، فله الشكر ـ سبحانه ـ إذ عوَّضني عن ذلك براتبين آخرّيَن، وأفضال أخرى، سأتحدث عنها في صفحات قادمة.


تقرَّر عملي في جامعة الملك عبد العزيز ـ قسم الثقافة الإسلامية التابع لكلية الآداب ـ والذي كان يرأسه الأخ الكريم الدكتور محمد الحصري ـ حفظه الله ـ وكان فيه من الزملاء أحباب كرام منهم الأخ د. ناجي عجم، والأخ د. عبد الله علوان، والأخ د. عبد الله رشوان، والأخ الشيخ حسن أيوب، والأخ الشيخ عبد المنعم تعيلب، والأخ د. رمزي نعناعة، والأخ د. مصطفى أبو جباب، والأخ د. عبد الرحمن بارود، والأخ الشهيد د. عبد الله عزام، والأخ د. أحمد عبيد، والأخ د. عبد اللطيف الشيرازي الصباغ، والأخ د. علي الغلاييني،والأخ د. موئل عز الدين السامرائي وغيرهم... وهكذا نجد أن معظم هؤلاء الزملاء سوريون ومصريون وفلسطينيون وعراقيون ولهم قدم في الدعوة إلى الله، وتاريخ في العمل الإسلامي.


لذلك لم أشعر بالغربة البتة، انضم بعد ذلك إلى القسم إخوة آخرون كالأخ الدكتور خلدون الأحدب، ووالأخ الدكتور عبد الرحمن حامد، وأخوه أمين، والأخ د. بشير حداد، ثم سعدنا بانضمام إخوة سعوديين كرام كالأخ الدكتور علي بادحدح، والأخ د. طلال سلطان، والأخ د. عادل قوته، وإمام الحرم المكي د. علي جابر. والأخ د. عادل أبو العلا، والأخ د. عمر فاروق عبد الله(3)، هؤلاء الإخوة طبعاً لم يجتمعوا في وقت واحد، وإنما جاءوا على تتابع سَنَة بعد سَنَة.


كان هذا القسم يشرف على تدريس مواد الثقافة الإسلامية، والتي تسمى (متطلب جامعة) فهي إجبارية على كل الطلاب وفي مختلف الكليات، وكانت أربعة مستويات: المستوى الأولى: ويرمز إليه (101/ يدرس فيه الطلاب العقيدة والعبادة والأخلاق والمستوى الثاني: ويرمز إليه /201/ ويدرس فيه الطلاب مصادر التشريع الإسلامي، والمستوى الثالث: ويرمز إليه /301/ ويدرس فيه الطلاب الأنظمة الإسلامية (نظام الأسرة ـ نظام الحكم ـ نظام الاقتصاد) والمستوى الرابع والأخير: ويرمز إليه /401/ ويدرس فيه الطلاب المجتمع الإسلامي ، بدءاً من مجتمع عصر النبوة ثم عصر الخلافة الراشدة ثم عصر الانحراف، ثم عصر الانحدار، ثم العصر الحديث، والصحوة الإسلامية والحركات الإسلامية الراشدة.


وقد أُلِفت لدراسة هذه المستويات كتب، ألفها علماء أخيار، ودعاة كبار(4)، ولا تزال هذه الكتب مقرَّرة بحمد الله حتى لحظة كتابة هذه السطور.


حاول القسم تأليف كتب جديدة بناء على طلب إدارة الجامعة، وكُلفتُ بالإسهام في كتابة بعض البحوث للمستويين الثاني والرابع، وقد كتبتُ ما طُلب مني، وكانت كتابتي محل تقدير وثناء من الإخوة الزملاء المشرفين، لكن هذا المشروع لم يكتمل!!


تعاقب على رئاسة القسم إخوة كرام كان بيني وبينهم محبة وتقدير واحترام.


ثم توسَّع القسم وأضحى (قسم الدراسات الإسلامية) أي بمثابة كلية الشريعة في الجامعة، لتدريس مواد الشريعة والحصول على بكالوريوس تخصص فيها لتدريس المواد الشرعية في الثانويات، والدخول في سلك القضاء، أو مختلف الوظائف، وكان ثمة إقبال على هذا القسم، وخاصة من الطالبات حيث يصعب عليهن الذهاب إلى مكة المكرمة للدراسة في هذا التخصص، والملفِت لديَّ ولكل الأساتذة الزملاء، أن الطالبات اللاتي كنا ندرِّسهن، من خلال البث التلفزيوني المغلَق، كان لديهن من الحرص والمتابعة والتسجيل والحرص على التفوق الدراسي ما بَهرَنا وأسعدنا، وأمَّلَنا خيراً في نهضة نسائية مسلِمة ملتزِمة، وقد كانت بحمد الله.


كانت أول مادة درستها هي مادة الثقافة الإسلامية مستوى /401/ وفي كلية الطب، وكان مسؤول الدوام في الكلية متعاقد انجليزي صليبي، كان يتعبني في وضع برنامجي وتحديد ساعاتي، حتى إن طلاب كلية الطب من السنة السادسة ـ وهم على وشك التخرج ـ كانوا يأتون إلى بيتي في مكة المكرمة ـ حي الزاهر ـ وكان بيتاً بسيطاً يخلو من الأثاث والكراسي، ووسائل الراحة، فكانوا يجلسون على الحصير وفرش اسفنج، وأُلقي عليهم محاضرات مادة الثقافة الإسلامية، وكان عددهم قرابة /15/ طالباً، وكانوا قمة في الأدب والأخلاق والتواضع، وحين نقلتُ عفشي البسيط من مكة إلى جدة ـ طريق مكة كيلو /2/ بناية الحريري ـ حمله لي هؤلاء الطلاب في سياراتهم الفارهة، بل وصَعَدوا به إلى منزلي في الدور الثالث، أيامٌ لا تنسى!! والشكر موصول لهؤلاء الأبرار...


ودرَّستُ كذلك مختلف مستويات مادة الثقافة الإسلامية، وفي مختلف الكليات، لكن المستوى الرابع كان هو المادة الرئيسية التي درَّستها خلال مكثي عشرين سنة في هذه الجامعة.


وحين أُسس قسم الدراسات الإسلامية، شاركتُ في وضع مناهج القسم ـ بصفتي عضواً فيه ـ وحين تقرَّر توزيع المواد على أساتذة القسم، وجاء دور ترشيح أستاذ لمادة هدي الصحابة قال د. عبد الله عزام أبو محمد: أعطوا هذه المادة للأستاذ البطل، ووافق القسم على اقتراح د. عزام، لكنَّ المادة جديدة، وليس لها كتاب مقرر، ولا منهج محدد، ولم يسبق لي أن درستُها فتردَّدتُ، وشجَّعني الأخ د. عزام، فكانت هذه المادة وما درستُه فيها، وما كتبتُه وجمعتُه من أصول هذه المادة وأرشيفها، كانت من بركات العبد الصالح الشهيد الدكتور عبد الله عزام ـ رحمه الله تعالى ـ، وخلال ست عشرة سنة كنت مدرِّسَ هذه المادة، وواضع مناهجها، وجمعتُ لها أرشيفاً ضخماً، وكتبتُ فيها مذكرة مطبوعة، لا تزال تُدرَّس في قسم الطالبات حتى كتابة هذه السطور(5)، وثمة ضغوط أخوية وحُبية تُلِحُّ عليَّ أن أعيد النظر في هذه المذكرة، إكمالاً لها، لتكون كتاباً يُدرَّس في الجامعات، ويستفيد منه القراء، وأَعِدُ.. ثم أعِدُ.. لكن الوقت لا يسعفني، والواجبات تحاصرني، والمشاغل تزحمني، أسأل الله سبحانه أن يبارك في الوقت والجهد والذاكرة، حتى أفي مَا وعدتُ به الأحباب.


وإلى جانب مادتي الثقافة الإسلامية وهَدْي الصحابة والتابعين، درَّستُ كثيراً من المواد التخصصية مثل: مادة التلاوة والتجويد، ومادة فقه السيرة، ومادة فقه الدعوة، ومادة فقه الزهد والرقائق، ومادة حاضر العالم الإسلامي، ومادة التربية الإسلامية... ومعظم هذه المواد كتبتُ فيها مذكرات إلى جانب الكتب المقررة(6).


كانت علاقاتي مع الطلاب ممتازة خلال عشرين عاماً أشاركهم رحلاتهم من خلال عشيرة الجوالة، ومعهم طوَّفت على مختلف مدن المملكة تقريباً، أُلقي الأحاديث والمحاضرات في مجتمعاتهم، وأشاركهم رياضتهم وسَمَرَهم وأنشطتهم، و.... صحبة بعض الزملاء.


كذلك فإنني شاركت في لجان التوعية الإسلامية في مختلف كليات الجامعة، أُلبّي دعوتهم في إلقاء المحاضرات العامة،أو في الأحاديث التي تعقب صلاة الظهر.


وليسامحني الإخوة الطلاب أن أقول ما بنفسي، وبشكل صريح، لقد كنتُ أضيق من شدة أدبهم، وعلو تربيتهم، وطول صمتهم، على غير ما كان عليه حال طلاب سورية من نقاش وحوار وسؤال وشَغَب، كان يضفي على جو الدرس حيوية ونشاطاً، وكنت أُضطَر كمدرس لمادة التربية الإسلامية أن أوسّع(7) ثقافتي الإسلامية وثقافتي العامة، بل والثقافة المتعلقة بالآخر بعثياً كان أو شيوعياً أو قومياً أو إلحادياً، حتى أكون أكثر قدرة على النقاش وأكثر قدرة على الإقناع، ورد الأفكار العلمانية الملحدة، وكذا الأفكار الحزبية، فقد كان في قاعة الدراسة طلاب حزبيون ومثقفون، ليس سهلاً أمر إقناعهم. وحقيقة كنت أجد متعتي وسعادتي مع هذا الجو الفكري، خاصة وقد كنت ـ بحمد الله ـ أحقق بعض الكسب الدعوي من الطلاب، كما كنت أُحيِّد آخرين، أو أُحصّنهم في مواجهة الأفكار الإلحادية.


كان العكس تماماً هنا، لدى طلاب جامعة الملك عبد العزيز، حيث لا سؤال ولا حوار ولا نقد ولا اعتراض.. كان عليَّ أن أتحدث في المحاضرة /50/ دقيقة، دون أي مشاركة من الطلاب تُذكَر، كنتُ أحرِّضهم، أستثيرهم، أسألهم، أشجعهم، لكن لا حياة لمن تنادي!! وأخيراً من شدة ضيقي قلتُ للطلبة: سأضع درجة خاصة للمشاركة ـ أي مشاركةـ صواباً أم خطأ تتعلق بالمحاضرة أو خارج المحاضرة، فلم يحصل إلا تجاوب محدود، ومحدود جداً، فلجأتُ إلى طريقة أخرى، هي أنني كنت أطرح في نهاية المحاضرة أسئلة حوارية ومشكلات ثقافية حول موضوع من موضوعات الكتاب المقرر. أطلب التحضير لها في محاضرة قادمة، ويؤسفني أن أقول إن التجاوب كان ضعيفاً أيضاً، وفشلتُ فيما كنت أطمح له، وعدتُ لأداء محاضراتي بالطريقة الإلقائية المتعبة.


وللإنصاف أقول: إلى جانب ما ذكرت من صفات لهؤلاء الطلبة، والتي هي نتاج الطريقة القاسية في تعليم المراحل السابقة الإبتدائية والمتوسطة والثانوية، فإنني لم أر أكثر وفاء منهم، فقد أضحى هؤلاء الطلاب بعد تخرجهم من الجامعة أساتذة في المرحلتين الثانوية والجامعية، وأضحَوْا عمداء كليات، وأطباء، وقضاة، ومهندسين، وضباط، و.... ولكنني إذا ما لقيتُ أحدهم بعد طول غياب، وجدتُهم في قمة الاحترام والأدب والتواضع والاعتراف بالجميل لشخصي الضعيف مع أنني بالنسبة للنظام القائم أُعتبر أجنبياً وغريباً!!.


بل الأمر العجيب أنهم بعد ثلاثين سنة أرى بعضهم يحفظون بعض محاضراتي وكلماتي، يعيدونها على مسمعي، ومسمع آخرين مثل الأخ د. سعود مختار أستاذ في كلية الطب بجامعة الملك عبد العزيز، والأخ الدكتور يحيى مخدوم(8)، مدير صحة جدة سابقاً، والأستاذ في كلية الطب حالياً، وغيرهما كثير، ممن حَبَوْني بعاطفتهم وتقديرهم ومحبتهم، كلما رأوني أو صادفوني في طريق ـ جزاهم الله خيراً ـ.


يتبع في الحلقة الثامنة والعشرين، ونتم فيها الحديث عن جامعة الملك عبد العزيز.



(1) كان على رأس من ساعدني الأستاذ الدكتور عبد الله نصيف( حفظه الله) مدير الجامعة فقد هدَّد الموظفين الذين يعيقون إجراءات عقدي، وكان ممن ساعدني كذلك الدكتور حامد الرفاعي، والدكتور محمد الحصري، والشيخ محمد علي الصابوني والدكتور حمد عرينان عميد الكلية ـ جزاهم الله خيراً وأثابهم على ما بذلوا ـ.
(2) وهو الدكتور نهاد حموي، كان زميلي في الدبلوم العامة للتربية، ثم أضحى عميداً للكلية وكان بيني وبينه مودة ووحدة حال وذكريات جميلة.
(3) الأخ د. عمر أمريكي أسلم وأتقن اللغة العربية، وتعمق في الدراسات الإسلامية والتزم السلوك الإسلامي.
(4) أمثال الأستاذ: محمد الغزالي، محمد المبارك، محمد قطب، د. مصطفى عبد الواحد، مصطفى كامل، عبد الرحمن حبنكة، د, مصطفى إبراهيم علي، د. حسين حامد حسان( والأخيران كانا مشرفين).
(5) الشهر السابع من عام/1429ـ2008/.
(6) أبلغتني الأخت الزميلة أندونيسيا حسون مدرسة المادة في قسم الطالبات أن المادة قد أُلغِيت في التعديل الأخير وإنه لأمر مؤسف!!.
(7) أزعم أنني كنت على قدر لا بأس به من الثقافة من خلال دراساتي المنوَّعة في كلية الشريعة ثم كلية الحقوق ثم كلية التربية.
(8) شهد الأخ د. عبد اللطيف هاشمي ـ حفظه الله تعالى ـ موقفاً كهذا في مستشفى الأمل في جدة.


تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين