(من لا يشكر الناس لا يشكر الله)
أرى واجباً عليَّ أن أتوجه بالشكر العميق والتحية الصادقة لكل مدراء الجامعة الذين تعاقبوا على إدارتها خلال الفترة التي قضيتها في الجامعة، مدرساً في مختلف الكليات، والشكر كذلك لعمداء كلية الآداب، ورؤساء قسم الدراسات الإسلامية، وكذا زملائي في القسم، كلُّ هؤلاء نِلتُ من عونهم وتقديرهم واحترامهم ما جعلني مديناً لهم بالفضل والنجاح في عملي، وأشهد أنهم صبروا عليَّ كثيراً، وأظن أنهم دافعوا عني كثيراً، ذلك لأنني وعبر محاضراتي طرحت كل أفكاري ومفاهيمي وتصوراتي وآرائي التي تربَّيْتُ وتكوَّنت عليها والتزمتُ بها دعوياً وحركياً، والتي كانت سبب مغادرتي بلدي سورية، وقد كان ينصحني بعض الزملاء المخلِصين المطِلعين بما يفيد أن بعض المسؤولين ضاق بما أطرحه من أفكار وما أنشره من مفاهيم وآراء، وبالتالي فإن عقدك مهدد بالإلغاء، قال لي أحد الإخوة المحبين الناصحين هذا الكلام أكثر من مرة، وفي أكثر من صيغة، لكنني أمام يقيني بالله، وتقديري(1) للموقف الرسمي خلال عشرين سنة، ـ قد خلت ـ وشيء آخر: هو أن الكتب المقررة والمناهج المعتمدة كانت تساعدني فيما طرحت من أفكار ومبادئ، فأنا لم أخرج البتة ـ في تقديري ـ عما هو مقرر رسمياً في هذه الكتب والمناهج والجو العام.
عشرون سنة أمضيتُها في هذه الجامعة كانت هانئة سعيدة كريمة، وانتهت ببلوغي السن القانونية وهي /65/ سنة... لكن دوام الحال من المحال ـ كما يقال ـ إذ حدثت منغِّصات، ولْأكن صادقاً ليست منغصات، وإنما هي معكرات مزاج ـ لا أكثر ولا أقل ـ وهي:
أ ـ رحلة لم تكتمل:
كنت مدرساً لمادة فقه السيرة، فنظمتُ رحلة لطلاب المادة، لنطوف على مواقع السيرة في مكة المكرمة، والمدينة المنورة، وجعلناها على مرحلتين، واصطحبت بعض الزملاء الكرام وخبيراً بجغرافية هذه المواقع، كان الإخوة الزملاء يُلْقون عند كل موقع كلمة تعريفية وتوجيهية به...
تناولَتْ الرحلة الأولى: المكان الذي جرت فيه مفاوضات صلح الحديبية، والمكان الذي وُلِد فيه رسول الله ﷺ وغار حراء، وغار ثور، والعقبة التي جرت فيها البيعتان وجامع نَمِرة، والصخرات التي هي في عرفات وقد صعدها رسول الله ﷺ ليلقي من فوقها خطبة حجة الوداع و... و... وغيرها من مواقع السيرة.
وكانت رحلة علمية وروحية وتربوية ماتعة سعد بها الجميع، فلمَّا قفلنا راجعين، وفي اليوم الثاني عاتبني رئيس القسم بلطف وقال: يا أستاذ فاروق لا تحرجْنا أمام الغير، فقد يُقال عنكم قبوريون ومبتدِعون وتُقدِّسون الأماكن، فصححتُ له النظرة، لكن للأسف أُلغِي الجزء الثاني من الرحلة، وهو زيارة مواقع السيرة في المدينة المنورة، علماً أن الرحلة كانت رسمية وبموافقة عميد كلية الآداب، ورئيس قسم الدراسات الإسلامية وعمادة شؤون الطلاب التي غطَّت نفقات الرحلة، وهيأت لنا وسيلة النقل مع السائق.
وفي السياق نفسه كنت في إحدى المحاضرات أتحدث عن ضرورة تعديل الكتب الدينية المقررة، لتكون أكثر فائدة للطلاب، وليكون الطلاب أكثر استيعاباً لها، وأكثر حباً وفهماً، وكانت مناسبة هذا الحديث: أنني قرأت في إحدى الصحف المحلية كيف أن الطلاب يرمون الكتب بعد الامتحانات في حاويات القمامة ـ ضَجَراً منها وكُرْهاً بها ـ وأكد لي ذلك: أن أولادي ـ وقد كانوا من المتفوقين في دراستهم ـ كانوا يبدون ضجراً من كتب الفقه والعقيدة، وكنت أضطر لتدريسهم إياها، وتلخيصها لهم، ثم كيف يستطيع طالب صغير في المرحلة المتوسطة أن يستوعب أنصبة الزكاة من البقر والغنم وغيرها!! وما هي حاجته لها في مثل هذه السن؟! وكذا تفريعات الحج أركاناً وفروضياً وواجبات وسنناً؟! وفي كتب العقيدة يؤتى بالكلام القديم، والاصطلاحات القديمة، والأسلوب القديم، وقلت: هذه الموضوعات هامة، ولا شك، ولكنها تحتاج إلى الأسلوب المناسب، والعرض المناسب، واللغة المناسبة، والعمر المناسب...
كنت أقول هذا، ولا أدري أن رئيس القسم كان يتنصَّت عليَّ! ـ قصداً أو مصادفة لا أدري! ـ وقد كانت قاعة المحاضرة كبيرة، ولها أكثر من باب، وأنا جهوري الصوت، فلما عدت إلى مكتبي عاتبني ـ كذلك ـ رئيس القسم بلطف ونصح، وقال: يا أستاذ فاروق أنت تتجاوز الخط الحمر، أنصحك ولمصلحتك أن لا تتعرض لهذه الموضوعات!!.
ب ـ تهديد بالقتل وحرق السيارة:
كنت أدرّس مادة القرآن الكريم تلاوة وحفظاً وتجويداً، وكان الطلاب على نوعين: طلاب منتظمون، وطلاب منتسبون، الطلاب المنتسبون غير متفرغين، بعض هؤلاء الطلاب ـ وهم قلة ولا شك ـ يريدون أن ينجحوا بالقوة، ولما كانوا طلاب قسم دراسات إسلامية، ومستقبلهم أن يدرِّسوا المواد الشرعيَّة، ومنها القرآن الكريم، وأن يكونوا أئمة وخطباء وغيرها من الوظائف الدينية، لذلك لم أكن لأسمح لنفسي أن أتساهل معهم، وخاصة في ميدان التلاوة والتجويد، وبعضهم ـ والعياذ بالله ـ يريد أن يقرأ ويتلو كما يتهيأ له، دون ضَبْط لحركة، أو ضبْط لمخرَج الحرف، أو ضبْط لحكم التجويد، أو ضبط للوقف والابتداء فكنت مضطراً لترسيبهم، وأعلل لهم موقفي(2)، ويبدو أن بعضهم رسب أكثر من مرة، فكتب لي رسالة تهديد بالقتل، ووضعها تحت الباب، فلم أُبال، لأن الآجال بيد الله، ولأن القرآن الكريم لا مجال للمساومة عليه، خاصة لإمام أو خطيب أو مدرس أو مفتي، فأردف الرسالة الأولى برسالة ثانية فيها تهديد بالقتل وقال: أعرف سيارتك وأعرف أين يدرس أولادك، فهم في ثانوية الثغر وسأفعل كذا وكذا وسأحرق السيارة... الخ.
ولم يكن لي من حيلة إلا أن أرفع خطاباً لإدارة الجامعة، عن طريق رئيس القسم وعميد الكلية، وأرفقت الخطاب بأوراق التهديد، ولكن دون جدوى، إذ طلبوا مني أشياء لست قادراً على تحديدها، فأوقفتُ شكواي، وسلمتُ أمري لله، فرعاني المولى، وحفظني، ودفع كل سوء عني.
جـ ـ أعجمي في ثوب عربي:
أعتذر للإخوة الأعاجم ـ ابتداء ـ فقد رأيت حرص الكثير منهم على حفظ كتاب الله وإتقان تلاوة كتاب الله، وتجويد آي الكتاب الكريم، وإخراج الحروف من مخارجها، ما لم أره في بعض طلابنا العرب المسلمين، حتى إنني كنت أستعين باثنين من الأعاجم، أولهما إمام مسجد الجامعة الكبير، وهو باكستاني، وثانيهما سائقي البنغالي (هلال) الذي كان يحفظ كتاب الله بإتقان وتجويد، أما هذا الطالب العربي ابن القبيلة والمنتسب لقسم الدراسات الإسلامية في جامعة الملك عبد العزيز، وبعد مستويات جامعية ثلاثة في مادة القرآن الكريم، بل و سنوات طويلة في المراحل الدراسية السابقة، المفتَرض أنه تعلم القرآن وتلقَّاه عن أساتذة وشيوخ، ولا أظن أن بلداً في العالم كله يهتم بالقرآن الكريم وتدريس علومه، كما تهتم المملكة العربية السعودية، وأقول هذا يقيناً وليس ظناً، وهنا محل الاستغراب! طالب في عام تخرج، يقرأ القرآن الكريم كيفما تهيَّأ، يرفع المنصوب، وينصب المرفوع، ويجر الساكن... أُصحِّح له مثنى وثلاث ورباع، وهو مستمر في أخطائه. أما التجويد فلا يتقن منه شيئاً البتة، وأما مخارج الحروف فلا يحسن نطق حرف.... وأغرب شيء أنني طلبت إليه أن يقرأ سورة الفاتحة، فكان مما قرأ (أَهدِنا الصراطَ المستقيمُ) ـ أستغفر الله ـ قلت له: لا يمكن أن أعطيك علامة النجاح، وأنت تقرأ بهذا الشكل!! عرضت عليه أن يذهب للباكستاني إمام مسجد الجامعة، أو لإمام مسجد الأمير متعب القريب من الجامعة، بل عرضتُ عليه أن يأتيني في المكتب أو في المنزل لمساعدته في ضبط التلاوة مجاناً ـ ولو بالحد الأدنى ـ لكنه لم يفعل!! فقلت له: لو كان الأمر متعلقاً بمادة الفيزياء أو مادة الكيمياء أو مادة الرياضيات، أو مادة اللغة الإنجليزية لأسرعتَ إلى مدرس خاص، ودفعتَ له أجراً ضخماً على الساعة. وأنا الآن أرجوك أن تذهب ـ وبالمجان ـ إلى هؤلاء القرَّاء ليساعدوك على النجاح والتخرج فلا تفعل!!!
ورسب.... ثم رسب... فأيقن أن لا مجال للتخرج إلا أن يتقن التلاوة، ففعل ثم نجح وتخرَّج، لكنها ليست مشكلة طالب، وإنما هي مشكلة طلاب وأجيال، وأعتقد أنهم ضحايا إهمال أساتذة في مختلف المراحل! وإلا فكيف وصل هذا الطالب إلى قسم الدراسات الإسلامية وبهذا المستوى؟ وبالتأكيد فإن أمثاله كثير.
أعتقد أن ما يفسِّر هذه الظاهرة المؤلمة أن منطق بعض الأساتذة المتعاقدين هو: (عُدْ شموس وخود فلوس(3)...!) وإن أحدهم عتب على واحد من زملائنا المدرسين في المرحلة الثانوية قد جهد في تقوية طلابه سأله: لماذا تبذل هذا الجهد؟ هل أنت عاوز تقطع عيشنا؟! قال له الأخ المدرس المخلص (وهو الأخ أبو توفيق علوان) ـ رحمه الله تعالى ـ : ما علاقة بذلي للجهد بقطع العيش؟! أجابه الثاني: إنك لو علَّمتَهم كما ينبغي لاستغنَواْ عني، وأنا حاسب رزقي في هذا البلد، ورزق أولادي وأحفادي!! فإذا كان هذا منطق مَن لا خلاق لهم، ولا ضمير، فكيف نستغرب أن يكون الطلاب بهذا المستوى الفاشل؟! وأساتذتهم على النحو والنفسية التي وصفت!!
د: وداع مؤلم مؤسف:
خلال عشرين سنة من خدمتي في الجامعة كنت في غاية الراحة والسعادة ـ بحمد الله تعالى. ولكن لم أكن أتوقع أن يكون وداعي للجامعة على هذا النحو المؤسف، لا أعني هنا وداع الزملاء الكرام، والطلاب الأحباب، والإدرايين الأوداء، ووداع هذا الصرح العلمي العملاق بما تركه لديَّ من ذكريات حلوة وأيام ماتعة جميلة... ولا شك أن وداع هؤلاء الكرام بعد معايشتهم هذه الفترة الطويلة أمر مؤلم ومؤسف، ولكني أعني موقِفّين حزينَيْن يحكيان البيروقراطية، وسوء تطبيق النظام؛ هما:
أ ـ سحب تصريح دخول السيارة:
قد يكون هذا الأمر في نظر القارئ سهلاً، لكن لو عُلِمت ظروف هذا الإجراء القاسي والبعيد عن اللباقة واللياقة، لأدركنا الألم الذي يحدثه.
1ـ جرح الكرامة: مدرِّس خَدَم الجامعة، وعلَّم أبناءها عشرين سنة، وبلغ من العمر خمساً وستين، ألا نصبر عليه أياماً ينهي فيها إجراءات إنهاء العقد قبل أن نسحب منه تصريح دخول السيارة؟!
إذ بمجرد صدور قرار إنهاء الخدمة أو إنهاء العقد، والبدء بإجراءات إبراء الذمة، يُسحَب ترخيص دخول السيارة إلى حرم الجامعة الواسع الفسيح والمترامي الأطراف!! أي عليك أن تطوف في أرجاء هذا الحرم مشياً على الأقدام.
2ـ وللعلم فإن موضوع إبراء الذمة مرتبط بأكثر من عشرة دوائر، واحدة في الشرق وأخرى في الغرب، وقد تجد هذا الموظف، وقد لا تجده، فكان لا بدَّ أن تكرِّر الغدو والرواح.
3ـ غالباً ما يتُّم إنهاء العقد في نهاية العام الدراسي، أي في فصل الصيف، والحر شديد، والمسافات متباعدة، خاصة بين مباني الكليات، ومقر الإدارة، فتمشي على أقدامك في مثل هذا الجو المكشوف، والشمس عامودية فوق رأسك وقت الظهيرة.
4ـ وغالباً ما يُنهيَ العقد مع المدرس، إذا بلغ السبعين أو الخامسة والستين، أو أكثر من ذلك، أو أقل فتصوَّر أخي القارئ معاناة هذا الشيخ، وهو ينتقل في هذه الظروف ما بين مبنى وآخر، مع هذه الشمس المحرقة، وهذا الحر اللاهب مشياً على الأقدام!!.
رجوتُ الأخ مسؤول التراخيص؛ أن يصون كرامتي؛ ويحفظ شيخوختي؛ فيُبقي الترخيص سارياً لأيام محدودة، حتى تنتهي الإجراءات، لكنه وبغلظة رفض أيَّ تمديد... وسحب الترخيص!!!
ب ـ عدم الموافقة على منحي تأشيرة الخروج والعودة:
بعد صدور قرار إنهاء العقد، وبعد انتهاء العام الدراسي، والفراغ من الامتحانات، وصدور نتائجها، دخلتُ على عميد الإدارة، (د. باخشب) أرجوه وبلطف بالغ، الموافقة على إعطائي تأشيرة خروج وعودة، وعللتُ طلبي بأن صرف مكافأة نهاية الخدمة يقتضي وقتاً، وأن إجراءات نقل الكفالة من الجامعة إلى ولدي كذلك تقتضي وقتاً، وأنني متعب بعد مرور عام دراسي، وتصحيحٍ مضنٍ، رجوتُ سعادة العميد أن يأذن لي بالسفر خارج المملكة، ولو لعشرة أيام أستجمُّ مع أسرتي لبعض الوقت، فقال: لا استطيع أن أعطيك الموافقة ولو ليوم واحد؟! قلتُ له: لماذا؟ قال: لا أستطيع أن أتحمَّل مسؤولية سفرك، ثم قال: أنا لا أستطيع أن أتحمل مسؤولية سفرك إلى مكة أو الطائف، فضلاً عن أن أتحمَّل مسؤولية سفرك إلى خارج المملكة، قلت مدهوشاً: عجيب!! درَّستُ في هذه الجامعة عشرين سنة، وطلابي أضْحَوْا أساتذة وعمداء لبعض الكليات، ثم لا تتحمَّل المسؤولية!! فغادرته غاضباً حزيناً متوفز الأعصاب محبَطاً... لمسؤول مثقف يحمل شهادة دكتوراه، عميداً للشؤون الإدارية، يجيب زميله أو مَن هو في مقام والده هذا الجواب الفظ الغليظ الجافي اللا إنساني والخالي من أصول اللباقة واللياقة!!
هداني تفكيري لمقابلة وكيل الجامعة، فكان عكس الأول تماماً، لقيني بأدب واحترام، وأسف لانتهاء عقدي، وحرمان الجامعة من أمثالي، وهو يناديني بين كلمة وأخرى: أستاذنا... شيخنا... ثم اعتذر عن جواب العميد، وكتب موافقته على سفري بعد إعطائي تعهداً بالعودة خلال مدة معينة..وكيف لا أعود؟ وقد أنعم الله عليَّ بالإقامة في جوار الحرمين الشريفين حراً مكرماً عزيزاً مطمئناً، وأولادي بجانبي، فالحمد لله إذ اختار لي الإقامة في مثل هذا البلد الكريم، وقد أمضيتُ فيه حتى كتابة هذه السطور قرابة ثلاثين سنة، لم يعكِّر مقامي شيء مؤسف أو مؤلم، باستثناء هذين الموقفين اللذين أعدهما من قبيل البيروقراطية السيئة، وتطبيق القانون بلا وعي!!
يتبع في الحلقة التاسعة والعشرين، ونتحدث فيها عن برنامج في إذاعة القرآن الكريم.
(1) كنت وكافة المهاجرين من الجالية السورية محل تقدير واحترام من كل الجهات الرسمية والشعبية كضيوف في هذا البلد الكريم.
(2) من المعلوم أن العلم بأحكام التجويد فرض كفاية لكن تطبيق أحكام التجويد في التلاوة فرض عين فمن هذا القبيل كنت لا أتساهل مع طلاب الشريعة والدراسات الإسلامية.
(3) وعبارة أخرى أتعفف عن ذكرها لما فيها من قلة أدب وسوء تعبير.
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين