لأستاذي أبي محمد منزلة عالية في قلبي؛ وذلك لأنني خبرتُه، وكنتُ على قرب منه طوال ستين عاماً مضت، فقد توثّقت عُرا المودة بيننا في أوائل دراستي بكلية الآداب في جامعه حلب عام 1966م، وكان يُعطي من وقته وجهده لأحبابه الكثير، فيرعاهم بخبراته ونصائحه.
ولا زلتُ أذكر تلك الأيام التي كنت أزوره فيها، فألمح فيه الدأب والصبر على التحصيل العلمي، والعكوف الطويل على مائدة العلم والعلماء، وكنتُ أسمع منه عن رغبته في تحقيق مخطوطةٍ للإمام النحوي أبي حيان، وعنوانُ مخطوطته "ارتشاف الضرب"، وكان في المكتبة الأحمدية بحلب نسخة من هذا السِّفرِ، وكان يُطْلعني على ما قطعه في تحقيق الكتاب، ومزايا النسخة التي وقف عليها، ويطلب مني القراءة في المخطوط، ولم أكن آنذاك قد تمرّستُ في مسائل التحقيق والمخطوطات، وذلك في أوائل التحاقي بكلية الآداب، ولم يَتَسَنَّ لأستاذنا متابعة تحقيقه للكتاب.
ومن ذكرياتي معه أنه وعدني بزيارتي في بيتي للتهنئة بزواجي من أم بلال رحمة الله عليها في أوائل عام 1971م، وتوقعتُ أن يعتذر في الموعد المحدد؛ نظراً لتساقط الثلوج يوم الموعد، ولم نكن في تلك الأيام من أصحاب السيارات الخاصة، فكان لابد أن يستقلَّ وسائل النقل العام مع أهله أكثر من مرة للوصول إلى بيتي. ولا زلتُ أذكر المشهد وكأنه ماثل أمامي يوم دخل إلى بيتي في الموعد المحدد، وكان الطريق إلى المدخل مغطى بالثلوج التي تساقطت بغزارة، ولمحتُه وهو يمشي باحتراس شديد وإلى جانبه أهله، وكان يستطيع أن يعتذر بالهاتف، ولكنه أبى وأجابني عند لقائه: "الأمر أسهل عليَّ من الاعتذار".
وعندما أصدر كتابه "التضمين" تَشَوَّفتُ لقراءته، ولمستُ فيه قلم الأديب البارع الذي يكشف عن سمات الفصاحة الأصيلة، والبلاغة الأنيقة، إلى جانب عذوبة اللفظ، وقوة السبك. وأذكر أن ذلك شَدّني إلى متابعة القراءة فيه، والإفادة من هذا التحليل المحكم، والصياغة البليغة.
عاش أستاذنا شَطْر عمره الأول في حلب، وتابع شطره الثاني في طيبة الطيبة، وكان في كلا الشطرين حريصاً على رضا ربه في سيرته وسلوكه، كما كان حَفِيّاً بإخوانه، وكان بيته عامراً بالوافدين إليه من كل حدب وصوب. وكان المعتمرون والحُجاج المقيمون في أوروبا وأمريكا وتركيا يزورونه ويفرح بهم، ويُصرّ على إكرامهم، فكان يخفض جناحه لهم تطبيقاً لقوله تعالى:{رُحَمَاء بَيْنَهُمْ}. وتراني أستذكر قوله تعالى ونحن أمام ثرى البقيع نودّعه: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً} وأرجو أن يكون أبو محمد من هؤلاء الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.
*************
بقلم: د. أحمد محمد الخراط
جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين