بلاغة الإبهام البديعي في تمويه المعنى (دراسة بلاغية في ضوء التأويل)

بلاغة الإبهام البديعي في تمويه المعنى (دراسة بلاغية في ضوء التأويل)

التصنيف: علوم العربية
الجمعة، 23 شعبان 1446 هـ - 21 فيفري 2025
69
تحميل البحث

التعريف بالبحث:

يُعَدّ علم البلاغة أحد أبرز العلوم اللغوية التي تعنى بجمالية التعبير وأساليب التأثير في المخاطَب، وهو يتفرع إلى عدة علوم منها المعاني، والبيان، والبديع. ومن بين الفنون البلاغية التي استأثرت باهتمام البلاغيين، فن الإبهام البديعي، الذي يقوم على الإيهام المقصود للمعنى، بحيث يترك النص مفتوحًا لتأويلات متعددة، مما يزيد من ثراءه التعبيري وقدرته على التفاعل مع السياقات المختلفة. يقدم هذا البحث دراسة معمقة حول هذا الفن البلاغي، متتبعًا نشأته، أساليبه، آثاره، وأبرز تجلياته في النصوص الأدبية والقرآنية.

تعريف الإبهام البديعي

الإبهام البديعي هو أحد الفنون البلاغية التي تندرج ضمن علم البديع، ويعني أن يُورِد المتكلم كلامًا يحتمل معنيين متضادين أو مختلفين دون أن يُقدّم للمخاطَب قرينةً تحدد أيّ المعنيين هو المراد. ويهدف هذا الأسلوب إلى إحداث أثر جمالي وتأويلي لدى المتلقي، يجعله ينشغل في تحليل النص وتأويله، مما يرفع من قيمته البلاغية.

أهمية الإبهام البديعي في البلاغة

يؤدي الإبهام البديعي وظائف متعددة في الخطاب الأدبي والبلاغي، أبرزها:

إثراء النصوص بالدلالات المتعددة: إذ يتيح هذا الفن مجالًا واسعًا للتأويل، مما يجعل النص مفتوحًا للقراءات المختلفة.

تحفيز المتلقي على التفكير والتأويل: حيث يتطلب فهم النص المبهَم تفاعلًا عقليًا نشطًا من القارئ، مما يعزز من دوره في إنتاج المعنى.

تحقيق الغموض الجمالي: فالإبهام البديعي يضفي على النصوص بعدًا فنيًا خاصًا، يجذب المتلقي ويدفعه إلى البحث عن المعنى الخفي.

استخدامه كأداة بلاغية للمراوغة أو التورية: إذ يمكن أن يُستخدم في النصوص السياسية أو الأدبية الحساسة، حيث يتيح للمتكلم الإفلات من المساءلة، كما في بعض أشعار الهجاء التي تبدو مدحًا في ظاهرها.

الفرق بين الإبهام والتورية والمشترك اللفظي

الإبهام والتورية: الفرق الرئيس بينهما أن التورية تعتمد على إيراد لفظ له معنيان، أحدهما قريب ظاهر، والآخر بعيد خفي، ويكون المراد هو البعيد. أما الإبهام، فإنه يُبقي المعنيين متضادين دون قرينة ترجّح أحدهما.

الإبهام والمشترك اللفظي: المشترك اللفظي هو أن يكون للفظ الواحد أكثر من معنى، ولكنه ليس بالضرورة مقصودًا للإيهام، بينما الإبهام يهدف عمدًا إلى خلق ازدواجية في المعنى.

أساليب تحقيق الإبهام البديعي

يعتمد المتكلم في تحقيق الإبهام البديعي على عدة أساليب لغوية وبلاغية، من أبرزها:

استخدام الألفاظ المشتركة: بحيث يكون للكلمة أكثر من معنى محتمل في السياق.

إيراد التراكيب المزدوجة الدلالة: التي تحتمل التفسير في اتجاهين متناقضين.

حذف القرائن الدالة على المعنى المقصود: مما يترك للمتلقي مجالًا واسعًا للتأويل.

استخدام الأساليب الالتفافية: كأن يُورِد الكلام بصيغةٍ توحي بالمدح ظاهريًا، بينما تحمل دلالات هجائية ضمنية.

أمثلة على الإبهام البديعي

1. في الشعر العربي

يُعَدّ الشعر من أبرز الفنون التي استثمرت الإبهام البديعي لتحقيق التأثير الفني. ومن الأمثلة الشهيرة:

قول بشّار بن بُرد حين خاطب الخيّاط الأعور الذي خاط له ثوبًا:
_جاءَ مِن زيدٍ قَبـاءُ_ليـتَ عينيه سَـواءُ!_قُلْ لِـمَن يعرفُ هذا:_أمديـحٌ أم هِجـاءُ؟

هنا يحمل البيت معنى مزدوجًا: فهل يتمنى للشخص أن تكون كلتا عينيه سليمتين أم أن تصبحا كلتاهما عوراء؟

2. في النصوص القرآنية

من الأمثلة القرآنية التي تتضمن نوعًا من الإبهام البديعي قوله تعالى:
"والمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ" [البقرة: 228].
حيث أن لفظ "قُرُوء" من ألفاظ الأضداد التي تُستعمل بمعنيين متضادين، فهو يعني الطُّهر والحيض معًا، مما أدى إلى اختلاف الفقهاء في تفسيره.

3. في الخطاب النثري

ومن أمثلة الإبهام في النثر العربي، ما يُروى عن أحد الشعراء حين هنّأ وزيرًا بزواج ابنته قائلًا:
"بارك الله للحسن، ولِبُورَانَ في الخَتَنِ،وقد ظفِرْتَ، ولكنْ ببنتِ مَن؟"

هنا يمكن تأويل العبارة بإحدى طريقتين: إما أن تكون مدحًا للوزير بكونه والد العروس، أو أن تكون سخريةً مبطنةً تسأل عن أصلها!

الإبهام البديعي في الفكر البلاغي العربي

لم يرد ذكر الإبهام البديعي في الكتب البلاغية الأولى مثل "البديع" لابن المعتز، لكنه أصبح موضوعًا بارزًا في كتابات المتأخرين كابن رشيق القيرواني، وابن أبي الإصبع، وابن حجة الحموي. وقد تطور البحث فيه حتى صار يُستخدم كأداة تحليلية في الدراسات النقدية الحديثة.

دور الإبهام في تأويل النصوص

نظرًا لأن الإبهام يفتح المجال لتعدد التأويلات، فإنه يجعل من النصوص فضاءً غنيًا بالمفاهيم، ويسمح لكل قارئ باستنطاقها وفق فهمه وسياقه المعرفي. ولهذا نجده حاضرًا في التفسير القرآني، والتحليل الأدبي، وحتى في الدراسات الفلسفية حول اللغة


بقلم: سليمان العميرات

تنويه:

جميع المواد المنشورة تعبِّر عن رأي كُتَّابها ولا تعبِّر بالضرورة عن رأي رابطة العلماء السوريين

أبحاث ذات صلة

يمكنكم تحميل الأبحاث بعد الإطلاع عليها

علوم العربيةرحلة الكلمات العربية إلى الفرنسية

رحلة الكلمات العربية إلى الفرنسية

السبت، 24 جمادى الآخرة 1434 هـ - 4 ماي 2013
علوم العربيةمجموعات المخطوطات في تركيا

مجموعات المخطوطات في تركيا

السبت، 24 جمادى الآخرة 1434 هـ - 4 ماي 2013
علوم العربيةكلمات في كتابة البحوث

كلمات في كتابة البحوث

السبت، 24 جمادى الآخرة 1434 هـ - 4 ماي 2013